ابن خلكان

160

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وصار كالعلم لهم ، وكان يغلب عليهم العدل والدين والعلم ، وملك من بينهم جماعة ، ولم تنقرض دولتهم إلا بدولة السلطان محمود بن سبكتكين - الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى - وكانت مدة ولايتهم مائة سنة وسنتين وستة أشهر وعشرة أيام . 236 وكانت وفاة أبي صالح منصور المذكور في شوال سنة خمس وستين وثلاثمائة وكان قد صنف له الرازي المذكور الكتاب المذكور في حال صغره ، ليشتغل به . ثم رأيت نسخة كتاب « 1 » « المنصوري » ، وعلى ظهره : أن المنصور الذي وسم الرازي هذا الكتاب باسمه هو المنصور بن إسحاق بن أحمد بن نوح من ولد بهرام كوس « 2 » صاحب كرمان وخراسان ، وكنيته أبو صالح ، واللّه أعلم بالصواب . وحكى ابن جلجل - المقدم ذكره - في تاريخه أيضا : أن الرازي المذكور صنف لمنصور المذكور كتابا في إثبات صناعة الكيمياء ، وقصده به من بغداد فدفع له الكتاب ، فأعجبه وشكره عليه وحباه بألف دينار وقال له : أريد أن تخرج هذا الذي ذكرت في هذا الكتاب إلى الفعل ، فقال له الرازي : إن ذلك مما يتمون له المؤن ، ويحتاج إلى آلات وعقاقير صحيحة ، وإلى إحكام صنعة ذلك كله ، وكل ذلك كلفة ، فقال له منصور : كل ما احتجت إليه من الآلات ، ومما يليق بالصناعة أحضره لك كاملا حتى تخرج عما ضمنته كتابك إلى العمل . فلما حقق عليه كعّ عن مباشرة ذلك وعجز عن عمله . فقال له منصور : ما اعتقدت أن حكيما يرضى بتحليل الكذب في كتب ينسبها إلى الحكمة ، يشغل بها قلوب الناس ويتعبهم فيما لا يعود عليهم من ذلك منفعة . ثم قال له : قد كافأناك على قصدك وتعبك بما صار إليك من الألف دينار ، ولا بد من معاقبتك على تخليد الكذب ، فحمل السوط على رأسه ، ثم أمر أن يضرب بالكتاب على رأسه حتى يتقطع ، ثم جهزه وسير به إلى بغداد ، فكان ذلك الضرب سبب نزول الماء إلى عينيه ، ولم يسمح بقدحهما وقال : قد رأيت الدنيا .

--> ( 1 ) ق بر من : بكتاب . ( 2 ) كذا هو في أكثر النسخ ؛ وسقطت الفقرة من لي .